|
الزمن القادم هــذا توفى النفوسُ مـا كسبـت *** ويحصـد الزارعـون ما زرعــوا
إن أحسنــوا أحسنـوا لأنفسهــم *** وإن أســاءوا فبئــس ما صنعوا
-------
اشتعل الرأس شيباً..
ها قد شارفت على الخميس..
على الرغم من عشقي للقراءة..
إلا أن الوقت أخذ يضيق بي..
أصبحت مباهج الدنيا تأخذ متعة القراءة مني..
هذا ابن قادم وذاك حفيد لا تمل رؤيته..
حياة تسير على ما أتمناه.
لا يكدر صفوها شيء..
نهاية يوم الخميس حانت..
بعد يوم طويل.. حافل بالزيارات والمرح..
ودعتُ أبنائي وبناتي وأحفادي..
صرخ هاجس في داخلي..
هذه الدنيا عجب..
اجتماع وفرقته..
سيرحل الجميع..
وسيودعون ويودعون..
ستبقى وحيداً..
ما هذه الأفكار..
بسرعة.. تلفت يمنةً ويسرةً..
مجموعة من الكتيبات ذات الحجم الصغير دائماً تقع تحت نظري..
لا شك أن ابنتي الصغرى هي التي وضعتها..
فهي تهديها إلي بين حين وآخر وتُحثّني على قراءتها..
كتاب أذكار الصباح والمساء..
كتاب زاد المسلم اليومي..
ماذا بعد..
هنا كتيب صغير..
لا يتجاوز أربع صفحات..
لا يحتاج إلا لأربع دقائق قراءة..
تناولته.. بسرعة استكملت قراءته..
أصابني الدوار..
هممت بصوت خافت..
لا أغسل..
ولا أكفن..
ولا يُصلى علي..
ولا أدفن مع المسلمين..
ماذا بعد..؟
أنا ابن الخمسين..
هكذا ستكون نهايتي..
لا..
بل هناك المزيد سأعيد لكم القراءة مرة أخرى..
ولكن بالتفصيل..
الكتاب بعنوان:
حكم تارك الصلاة [3]..
خلاصته..
أن تارك الصلاة كافر..؟
أبعد هذا العمر.. أوصف بذلك..
صوت بعيد..
ولَم لا؟؟
ألست تارك الصلاة من أحكام.
أولاً: أنه لا يصح أن يزوج، فإن عقد له وهو يصلي، فالنكاح باطل، ولا تحل له الزوجة.
ثانياً: أنه إذا ترك الصلاة بعد أن عقد له فإن نكاحه ينفسخ ولا تحل له الزوجة.
ثالثاً: أن هذا الرجل لا يصلي إذا ذبح لا تؤكل ذبيحته، لماذا؟
لأنها حرام ولو ذبح يهودي أو نصراني فذبيحته يحل لنا أن نأكلها.
رابعاً: أنه لا يحل له أن يدخل مكة أو حدود حرمها.
خامساً: أنه لو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث.
سادساً: أنه إذا مات لا يُغسل ولا يكُفن ولا يُصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين إذًا ماذا يصنع به؟
· يخرج به إلى الصحراء ويحفر له ويدفن بثيابه لأنه لا حرمة له. وعلى هذا فلا يحل لأحد مات عنده ميت وهو يعلم أنه لا يصلي ن يقدمه للمسلمين يصلون عليه.
عشت حلم الواقع..
وضعت الكتاب جانباً..
رفعت يدي إلى رأسي.. ضغطت عليه بقوة..
سقطت شيبة..
نظرات إليها.. أبعد هذا الشيب؟ لا أغسل ولا أكفن.. ولا يُصلى عليّ..
هذه نهايتي..
هذا ما جمعته في الدنيا..
الله..
كلمة خرجت بقوة من أعماق قلبي..
أهذه نهايتي..
أين نحن غافلون.. فلا شك أني مقصر.. بل ومفرط.. ولكن خمسون سنة.. ولا أجد ناصحاً.. يقول لي ذلك.. كيف..
· مسئولية من هذه..؟
غسلت الزمن الرديء بدموع التوبة..
عاهدت نفسي أن أكون ناصحاً لكل مخطئ..
نهضت قائماً..
سيصلى عليّ..
وسأدفن إن شاء الله مع المسلمين..
(12) الخاتمة
فلــو أنا إذا مُتنا تُركنــــــا *** لكــان المــوت راحـة كل حي
ولكنــا إذا مُتنــا بُعثنـــــا *** فنســأل بعده عــن كل شــيء
------
كانت معرفتي به بسيطة.. أحياناً متفرقة، أراه في المسجد وأياماً كثيرة لا أراه.. كنت أسلم عليه بحرارة وكنت في شوق إلى معرفته والتحدث إليه..
عندما انصرفنا من صلاة العصر.. وقفت أنا وزميل لي خارج المسجد نتحدث.. فإذا به قادم.. وسلم على زميلي ثم سلم عليّ.. وبدأ أنهما على معرفة سابقة.. فقد كانا زميلي دراسة..
تجاذبنا أطراف الحديث وطلبت منهما موعداً لزيارتي في منزلي.. فوافقا واتفقنا على الاجتماع بعد صلاة العصر عداً..
سألت زميلي عنه فحدثني بأنه إنسان فيه خير كثير.. فاستفسرت عن سبب غيابه عن المسجد أياماً طويلة خاصةً وأنه جار للمسجد.. فأخبرني أن صديقه هذا له رفقاء سوء في العمل فإذا اتصل بهم تراه يتغيب عن المسجد ولا يحضر للصلاة وتكثير أسفاره..
وتحدثنا طويلاً عن أفضل الطرق لإبعاده عن رفقاء السوء.. طمأنت زميلي وقلت سأحاول إبعاده عنهم قدر المستطاع.. ادع الله أن يعنني على ذلك وسأحتسب الأجر عند الله..
كان الاستعداد للموعد العصر وفرحت به كثيراً لعل الله أن يهديه على يديّ..
أخبرت بعض الأصدقاء وقلت لهم نريد أن تبعده عن رفقاء السوء وهذا لا يتم إلا بالتعاون بيننا جميعاً وكسب مودته وحبه لعل الله أن يهديه..
تمت الزيارة في موعدها وحصل ما كنت أريد، فالرجل محب للخير.. قريب للنفس..
تشعب بنا الحديث وكان بعض حديثنا عن الجو الممطر هذه الأيام وأن في منطقة كذا ربيع وأرض خضراء..
شاركنا في الحوار فإذا به صاحب معرفة بالمناطق الخضراء ذات المناظر الخلابة.. فأشار بأن المنطقة الفلانية أفضل من جميع المناطق وذلك لأنها أرض رملية مغطاة بعشب أخضر وبين تلك الكثبان الرملية غدير ماء.. فاتفقنا على الخروج نهاية الأسبوع لهذا الموقع الجميل..
وصمم أن نكون ضيوفه ولكننا رفضنا...
قلنا له نكفي منك الفكرة ومعرفة الطريق.. وبعد مشاورات أصبحت الرحلة مشاركة من الجميع في كل شيء ما عدا الفكرة فهو صاحبها..
جو ربيعي جميل ومنتزه تحفه الرمال من جميع الجوانب..
وهذه الروضة وسط الرمال.. من أجمل المناطق.. فعلاً.
· أصبح الرجل يودنا ويحبنا ونشأ بيننا الكثير من المحبة والألفة.. خاصةً أن الرحلات للمناطق البعيدة تعني التقارب بين الجميع.. استمرت صداقتنا مع بعض مدة طويلة وأصبح الخروج إلى البر يتم بدون مقدمات لأننا اتفقنا على الخروج نهاية كل أسبوع..
وأصبح هناك ترتيب لجدولنا اليومي في الرحلة واستفادة من الوقت سواء من ممارسة الرياضة أو من استقطاع وقت للراحة.. وكان هناك درس بعد صلاة الفجر يعقبه آخر بعد صلاة العصر مدته قصيرة.. وعانيت من ذلك معاناة شديدة بسبب هذا الارتباط الأسبوعي للخروج خارج البيت..
فقد كان هذا الوقت بالنسبة لي بمثابة تفرغ كامل للقراءة والكتابة.. إضافةً إلى أنني ألغيت الكثير من ارتباطاتي العائلية.. أصبح صاحبنا محافظاً على الصلاة ودوام على صلاة الجماعة في المسجد بما في ذلك صلاة الفجر وظهرت عليه سيما الصلاح والاستقامة.
وقد كان لارتباطي الخاص به فرصة لقربه مني فقد باح لي بالكثير مما يعانيه من قبل.. ومراحل ضياعه..
حيث كان يتيماً وتربى في بيت جده..
استمرت علاقتنا هذه لمدة شهرين كاملين.. بعدها قدر الله لي أن انتقل من بيتي إلى مكان آخر في أطراف المدينة لقربه من مكان عملي وانقطعت تلك الأيام والرحلات وحتى الاتصال الهاتفي.. لعدم وجود هاتف لديّ..
وقد غبت بسبب ذلك فترة ليست طويلة عن هذا الشخص وحتى عندما اتصل عليه في بيته يقولون غير موجود..
· وسبحان مغير الأحوال فقد أخبرني بعض الزملاء ممن كان يذهب معنا أنه عاد لرفقاء السوء وعاد لبعده عن الله جل وعلا.. وأخذت الأسفار جل وقته..
فقد أهمل عائلته ورجع إلى سالف عهده فترك صلاة الجماعة وبدأ يتراجع إلى الخلف..
بدأ يسمع الأغاني.. ترك حفظ القرآن.. ترك السباب الصالحين.. ترك الكتب القيمة..
تحسرت على ذلك ودعوت الله لي وله.. وحثثت بعض الاخوة على معاودة تلك الرحلات..
بعد مدة هاتفني أحد الزملاء وكان صوته متغيراً.. وأخبرني أن فلاناً توفي..
إنا لله وإنا إليه راجعون..
ماذا جرى له فمنذ مدة لم أره ولم أجده في بيته فقد اتصلتُ عليه كثيراً.. قال لي أنه سافر إلى شرق آسيا مع رفقاء السوء وتناول جرعة كبيرة..
تناول جرعة كبيرة من مادة مخدرة..
مات هناك وحُمل في تابوت على متن الطائرة العائدة ومعه تقرير يثبت أن وفاته كان سببها تناول المخدرات.
وجلت إيما وجل من سوء خاتمته وأيقنت أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء..
فهو لم يستمر في توبته..
بل رجع إلى ما كان عليه..
إنا لله وإنا إليه راجعون..
تقلب في حياته من الشر إلى الخير..
ثم عاد إلى طريق الشر وختم له بنهاية سيئة..
قال أهله..
ليته مات بأي شيء إلا هذه الموتة وهذا التقرير..
رفعت يدي إلى السماء ودعوت من كل قلبي..
(يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك).
---------------------
[1] يعني الدنيا.
[2] يعني القبر.
[3] لفضيلة الشيخ محمد بن عثمين
مع الشكر لموقع عـودة و دعـوة
http://www.awda-dawa.com/
|